سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
النيّة الصادقة في الدعاء
ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلی الله علیه وآله في خطبته الشريفة التي ألقاها لدی استقباله لشهر رمضان العظیم، أنّه قال: (فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة) 1 .
شهر رمضان هو شهر الدعاء والتضرّع والابتهال إلى الله تعالى، وقد أكّد رسول الله صلی الله علیه وآله علی قراءة الأدعیة في هذا الشهر الفضیل لأنّ الدعاء یُستجاب إذا تحقّق فیه أمران:
الأول: النیّة الصادقة. والثاني: القلب الطاهر. ولأنّ شهر رمضان شهرٌ فضيل وعظيم ویدّ الشیطان فیه مغلولة، لذلك فإنّ القلوب تکون فیه صافیة ونقیّة والنیّات صادقة وحقیقیّة، ومع حلول شهر رمضان الکریم تکون تلك الصفات والفضائل أقرب إلى الواقع والتطبیق.
لکن لماذا أکّد رسول الله صلى الله عليه وآله علی النیّة الصادقة والقلب الطاهر في استجابة الدعاء، بقوله: (فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة)؟
قالها، لأنّ من ندعوه هو الله تعالى ربّنا، والله مطّلع على خفايا ودقائق الأمور. فعندما يسأل الإنسان ربّه (فسألوا الله ربّكم) یکون السؤال من باب التأکید علی النیّة الصادقة حیث یکون الدعاء له لا لغیره.
القلب الطاهر
هناك قلوب طاهرة وأخری غیر طاهرة، فما هو القلب الطاهر؟
القلب الطاهر هو القلب الذي یخلو من الحقد والضغينة والبغضاء لمن لا یستحقّ ذلك، والقلب الطاهر هو القلب الذي یمتلأ حبّاً وحناناً ولا مجال فیه للکراهیة والبغضاء إلاّ في موارد خاصّة للذین یستحقّونه من أعداء الله، والقرآن الكريم يؤكّد على التأسّي برسول الله صلی الله علیه وآله في صفاء قلبه ورفعة أخلاقه، فتاريخ رسول الله وقصص رسول الله كلها اُسوة لنا ولغيرنا من البشر: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)2. فرسول الله صلى الله عليه وآله ورغم المظالم التي وقعت علیه کان یحمل أطهر قلب بین الناس، فلم یکن قلبه الشریف یتحمّل أن یری ظلامة تحلّ بعدو أو صدیق ولم یك یتحمّل سماع أنین أسیر، بل کان ینتظر الصباح حتی یطلق سراحه مقابل تعلیم المسلمین القراءة والکتابة.
القلب الطاهر الرحيم
الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله هو قدوة لنا جمیعاً في أعمالنا وتصرّفاتنا، وهناك عشرات المواقف في تاريخ رسول الله صلی الله علیه وآله ينبغي التأسّي بها، ومنها قصّته مع المشركين في بدایة البعثة النبویة الشریفة. ففي بدایة البعثة جاء الرسول الأکرم إلى المسجد الحرام للتبلیغ والدعوة إلى الإسلام بأمر من الله تعإلى، وکان المسجد آنذاك ممتلأً بالمشركين الذین قصدوه من أطراف مكّة لعبادة الأصنام حیث کان لكل قبيلة صنم خاصّ، ولكل عائلة صنم یمثّلها، وأحياناً کان لبعض الأفراد أصنام خاصّة بهم باعتبارهم وجهاء وأصحاب شخصية إجتماعية. فورد في الحديث الشريف أنّ النبي الكريم صلى الله عليه وآله اعتلى الصفا ونادی في الناس: (أيّها الناس قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا). وکانت هذه الدعوة بمثابة نفي جمیع الأصنام والأوثان التي یعبدها المشرکون واستبدالها بخالق واحد کریم هو الله تبارك وتعإلى. وعندما سمع المشرکون قول (لا إله إلاّ الله) صُعقوا به، واعترضوا علیه بشدّة. ولکن رسول الله صلی الله علیه وآله واعدهم أن لو قبلتم بقول لا إله إلاّ الله، سوف (تُفلحوا)، فالفلاح إذن في العبارة هو التخلّي عن عبادة الأوثان ونبذ الأصنام التي لطالما عبدوها من دون الله.
ثم نزل صلی الله علیه وآله من الصفا واعتلى المروة وكرّر ما قاله ثانیة، وصاح في المشركين: (أيّها الناس قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا). ولما سمع المشركون صوت النبي وللمرة الثانیة صُعقوا أکثر لأنّهم تیقّنوا من قوله، وتحیّر المئات منهم وراح بعضهم یجمع الحصی من علی أرض مکّة الحصباء فالأرض لم تکن ترابیة بل کانت مفروشة بالحصی لذلك جمعوا الحصی وراحوا یرمون بها رسول الله بشدّة فصعد صلوات الله عليه وآله على الجبال المحیطة، وراح المشركون یتعقّبونه ویرشقونه بالحجارة من خلفه والحصيات تصيب جسمه الشريف من رأسه إلى أخمص قدمیه الطاهرتین حتى انّهم ذکروا في التواريخ، أنّ الدماء سالت من رأسه الشریف واُدمیت قدماه الشریفتین، ولولا أنّ النبي تواری عن الأنظار واختفی بین الجبال لقتلوه بالحجارة. وکان بإمکان النبي صلی الله علیه وآله أن یدافع عن نفسه، لأنّه كان يملك بُنیة قویة وجسم رشید وذکاء کبیر وکان له تسدید إلهي، لکنّه لم یهجم علی أحد منهم، فأصابه ضعف شديد. ولما علِم أمير المؤمنين علیه السلام بذلك سارع إلى إخبار السيّدة خديجة عليها السلام بالأمر، فحملا ماءً وخبزاً وراحا یبحثان عن رسول الله صلی الله علیه وآله فوجدوه طريحاً في مكان ما بین الجبال والدماء تجري من جسده الشريف، فسقوه الماء وأطعموه شیئاً من الخبز لیسترجع قواه. ولمّا رأت الملائكة الحالة التي أصیب بها رسول الله ضجّت إلى الله وقالت ما مضمونه: (ربّنا هذا خير عبادك أهكذا يفعل المشركون به). فسمح الله تعالى للملائكة أن يهبطوا الى رسول الله ويستأذنوه في عقاب المشركين، فجاء ملك موكل علی الجبال من عند الله تعالى وقال لرسول الله (يارسول الله إن اذنت لي أن أطبق هذه الجبال علی رؤوس المشركين لفعلت). فقال رسول الله: (کلا). ونزل ملك آخر موكّل بأمر آخر، ثم ملك آخر، وفي کلّ مرّة یرفض رسول الله إنزال العقوبة بالمشركين ویرفض عرض الملائكة. وبالرغم من شدّة الضعف الذي وقع فیه لم یرفع رأسه الى السماء لیدعو علیهم بل لرحمته ولطفه وحنانه طلب من الله أن لا يعاقبهم هؤلاء وقال ما مضمونه: (اللهم اهدي قومي فإنّهم لا یعلمون ولجهلهم قد فعلوا ذلك، إلهي فلا تعاقبهم بجهلهم). فانظروا إلى القلب الطاهر، رغم کلّ المظالم التي حلّت به لم يدخل قلبه الشریف شيء ضد المشركین بالله تعالى من عبدة الأصنام، وتحمّل جمیع الأذى الشديد ولم یدعو علیهم بإنزال العقوبة.
كيف تطهر القلوب؟
علينا أن نتعلّم من رسول الله صلی الله علیه وآله ونتأسّی به ونعزم بنيّة صادقة على أن يكون قلبنا رحیماً طاهراً علی من أساء لنا وأن لا نستعجل العقوبة علیه، وإن كان لنا الحقّ في بعض الموارد والمراتب. فقد قال صلی الله علیه وآله سائلاً ربّه: (اللهم اهد قومي) فالقوم کانوا من عشيرته وأقربائه، فرسول الله عربي كما يقول القرآن الكريم وهؤلاء أیضاً کانوا من العرب ومن قومه ویتکلّمون بلغته وإن کان بعضهم لیس من عشیرته وأهل لسانه، فقال: (اللهم اهد قومي فإنّهم لايعلمون)3 .وکان النبي صلی الله علیه وآله لدی استقبال شهر رمضان يأمر المسلمين بالدعاء والابتهال إلى الله تعالى وأن تکون دعوتهم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة، فالقلب الطاهر ليس ذاتياً في الإنسان وإنما هو أمر اكتسابي ینشأ بالتلقين وبالعزم والمواصلة، فيحصل الإنسان بذلك على القلب الطاهر. والقلب الطاهر يظهر أثره عندما يصاب الإنسان بمشكلة مع من يعيشون معه سواء کانوا من أقرباءه أو زملائه أوعائلته أو آخرين. فالإنسان الذي يكون قلبه طاهراً عندما يسأل الله تعالى یستجیب له الله دعاءه، ولا إشكال في أن یکون هناك مراتب لطهارة القلب تتدرّج بین الکثرة والقلّة، فالإنسان عليه أن يبدأ من مکان ما، ومن أي مکان يبدأ فهو جيّد. وعلیه أن يربّي قلبه علی الطهارة ویحاول، فإذا عزم الإنسان ولقّن نفسه في ذلك وراقب ولاحظ موارد القلب الطاهر عن القلب غير الطاهر فإنّه سوف يوفق شيئاً فشيئاً.
کذلك علیه أن یقوم بتربية نفسه وتزكيتها من الموبقات التي تشوب القلب حتی یوفّقه الله لما خلقه من أجله في الحیاة الدنيا. فمن دون تحصيل القلب الطاهر لا يستطيع الإنسان أن يرتقي إلى المراتب الرفيعة التي تجعله في مستوى الأفراد الموفّقين في الدنيا.
المصادر:
1. إقبال ابن طاووس، باب فضل شهر رمضان: 2وسائل الشيعة 7: 227; البحار 96: 356; فضائل الأشهر الثلاثة: 77 ح61; 119
2.سورة الأحزاب: الآية21.
3.قيل في مناسبات ومنها: أنّه صلی الله علیه وآله قاله يوم اُحد عندما شج في وجهه وقيل له: ألا تدعو عليهم؟ قال: (اللهمَّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون)، الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله3: 250.